أحمد بن علي الرازي
129
شرح بدء الأمالي
وإن قلنا : هي متغايرة ، فقد أوقعنا المغايرة بين الذات والصفة ، وهو مذهب الأشعرية والكرامية . أنهم يجعلون صفات الفعل محدثة ، وذلك لا يجوز ، فكذلك المتغاير بين الصّفات وقالوا : بأن الله موصوف بهذه الصفات فهو قادر لذاته ، وعالم لذاته ، وكذا في سائر الصفات . وعندنا هو موصوف بهذه الصفات المعان وراء الذات قائمة بالذات ، والباري لا يوصف بالأحوال ما تزول من الصفات ، وذلك محال في صفات الله تعالى ، وقالوا : إنا نرى في الشاهد أنه لا يكون المكتوب مكتوبا إلّا بالكتبة ، ولا يحصل البناء إلّا بفعل الباني ، ولا المفعول إلّا بفعل الفاعل ، فكذلك في الغائب ، وعن هذا قالوا : إنه خالق بخلقه ، ورازق برزقه ، وآمر بأمره . ونحن نقول : خالق لم يزل خالقا ، ورازق لم يزل قادرا ، وسميع لم يزل سميعا ، وبصير لم يزل بصيرا ، ففي هذه الأربعة اتفاق ؛ لأنها من صفات الذات ثم صفات الذات الجلال ، والكبرياء ، والقدرة ، والعلم ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، وما سواها من صفات الفعل كالتخليق [ 73 ] والترزيق ، والتكوين ، والتّعريف ، والإحياء ، والإماتة . فالبان بان وإن لم يبن ، والكاتب كاتب وإن لم يكتب ، وليس ضرورة من [ . . . . . . ] « 1 » الكاتب كاتبا أن يحصل منه فعل الكتابة ، فكذلك جاز أن يكون الرب خالقا وإن لم يخلق ، ثم الدليل على ما قلنا إنه لو لم يكن خالقا قبل خلقه ثم أحدث نفسه « 2 » فعل الخلق فخلق الخلق به بطلت تلك الصّفة عند فراغه من فعل الخلق ، فبقى عاجزا عن الخلق ، تعالى الله عن ذلك ، قال الله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . ولا الشيء المحدث بمحل التغير ، فكما لا يجوز التغيير على ذاته وصفات ذاته ، هكذا لا يجوز التغيير على صفات فعله ، ولأنه لو كان محدثا « 3 » له اسم وصفة ، لكان تشبيها
--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين غير واضح نهائيا ، وأظنه : وليس ضرورة من كون الكاتب كاتبا . والله أعلم . ( 2 ) قد يستقيم السياق بلفظ : لنفسه . والله أعلم ، وما أثبت هو ما بالمخطوط . ( 3 ) قال ابن أبي العز الأذرعى : وحلول الحوادث بالرب تعالى ، المنفى في علم الكلام المفهوم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة ، وفيه إجمال ، فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة ، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن ، فهذا نفى صحيح . وإن أريد به نفى الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ، ولا أنه -